هذا فصل آخرُ من رواية " موائدُ جائعة " التي سبق لنا أن علّقنا على فصل آخر منها . وقد اتّحدت فيها الرّاوية والشّخصية الرّئيسة فجاءت روايةُ الأحداث بلسان المتكلّمة .وهو ما أتاح للكاتبة فرصة إحداثِ تداخلٍ لطيفٍ عميقٍ في خطاب هذه الشّخصيّة بين سيول من الذّكريات الدّافقة يلوّنُها أسفٌ شديد على عهدِ حبّ ولّى و سلاسل من الصّور الأخّاذة المشرقة المقتبسة من الإطار المكانيّ ذي القداسة والجلال ، مازجة بين ثلاثة أنواع من المشاعر : التألّم لزوال الحبّ السّعيد والخشوع في رحاب المكان المَهِيب و النّخوة بالانتماء إلى الوطن الحاضن لذلك المكان ومن فيه
ولقد استثمرت المؤلّفة قدراتها التخيّلية وحساسيّتها الجماليّة في إنشاء سلاسل من الصّور الاستعاريّة المبتكرة المكثّفة التي لا تكاد تخلو منها أيّ جملة .وهو ما وسم النص بحِلْية فنّية من قبيل تشعير السّرد ، كما وظّفت قدرة أخرى فائقة تتمتّع بها وهي التّحليل النّفسيّ و خاصّة تحليل نفسيّة الرّجل وهو أمر نادر في الرّوايات النّسائيّة إذ المرأة الكاتبة عادة أوسع خبرة بنفوس بنات جنسها منها بنفوس الذّكور
إنّ هذا النصّ العالي الشّعريّة الباذخ من جهة تصوير المشاعر الجيّاشة لينطوي على طاقات تشويق عارمة تثير فضول القارئ لمعرفة باقي الحكاية .فلننتظر على أحرّ من الجمر
د. محمد صالح بن عمر
تُختَزلُ هذه القصيدةُ في العبارة الأزليّة " أحبّك " التي يقولها كلّ عاشق لمعشوقه منذ ظهور الإنسان على وجه البسيطة والتي سيستمرّ البوح بها وترديدها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها . وتداولُها الشّديد هذا على الألسنة يضع الشّاعر الحقّ أمام تحدّ صعب . فإمّا أنّه يقع في الابتذال من جرّاء التّكرار والاجترار وإمّا أن ينجح في أداء معناها بسلوك سُبُلٍ مغايرة للسّائد
وحين نتأمّل هذه القصيدة نرى صاحبتها قد وظّفت قدراتها التّخيّلية الفائقة وحساسيّتها الشّديدة الرّهافة في تصوير عاطفة الحبّ التي تستعر في كيانها تجاه معشوقها على أنحاء مبتكرة تماما تقوم على تكثيف الاستعارات المركّبة مع تنويعها إلى أقصى حدّ ممكن وتعزيزها بالدّلالات الحافّة المناسبة من بداية النصّ إلى نهايته ، متنقّلة بالقارئ جيئة وذهابا بين مناطق الذّات الخفيّة بما تنطوي عليه من أحلام وآمال ومخاوف وأحزان وآلام و رغائب والفضاء الخارجيّ الرّحب بما فيه من بحار وآفاق ونجوم وعواصف مُوَلّفة بين هذه وتلك ضمن صور مُربكة أخاّذة نحو : وقفتُ على باب الذاكرة أجمع عبيرك تناثرَ وروداً على العتبة / جمعت في صناديق أَرْزِيَة الخلود سُباتاً غفا على زنده الأمل / رحلتُ صوب نوافذك في أفق لازوردي الأجنحة / جالستُ الوحدة في أحلامك اغتصبتُ غفلتها / فإذا همس عينيك واحتي…غمرةٌ تحييني من أبد ...
إذا كان تجديد الخطاب العِشْقيّ في الشّعر اليوم مسؤولية جسيمة فهذه القصيدة تقيم الدّليل على أنّ صاحبتها من المؤهّلين والمؤهّلات لتحمّل هذه المسؤولة باقتدار وكفاية عاليين
د. محمد صالح بن عمر